كيف نعيد بناء "ثقافتنا الصحية" بشكل سليم عبر الإنترنت؟

قديماً اقتصرت القراءة فى الموضوعات الطبية والعلمية على الأطباء فقط ولم يكن أحد ليناقش طبيبه فى أى أمر متعلق بصحته, لكن العقود القريبة الماضية شهدت تغييراً جذرياً فى كل شيء من حولنا.. تغيَّر نمط معيشتنا ليكون أكثر تعقيداً، وتعددت الاختيارات في كل الأشياء من حولنا، وتغيَّر سلوك البشرى فى الأكل والشرب والاستهلاك، حتى لجأنا إلى استسخدام مواد كيميائية فى الأطعمة الجاهزة لتزيد من صلاحية بقائها فترة أطول أو لإعطائها نكهة وطعماً أخّاذاً، كما ظهرت علينا أمراض جديدة ومتعددة وغريبة!.. الأمر الذي يدفعنا في هذا العصر ألا نستهين فعلاً بمقولة "الوقاية خيرٌ من العلاج"، وأن يكون لنا نصيب من المعرفة التي تُمكنّنا من الحفاظ على صحتنا -الجسدية والنفسية- وسط تلك المتغيرات.

لذلك يعد "التثقيف الطبى" أو "التوعية الصحية" اليوم حجر زاوية للدفاع عن أنفسنا من انقضاض الأمراض عليها, الوعي الصحي لدى المريض من أهم الوسائل التى تساعد الطبيب كثيراً أثناء علاج مرض ما، إذ أنّ المريض الواعي بمرضه يكون أكثر فهماً لطبيعة العلاج والتجاوب مع حالته للوصول إلى بر أمان. هناك نظرية تقول "أنه لو تم صرف 2.5% من ميزانية أى مجتمع على برامج تعزيز الصحة بأسلوب علمي صحيح، لأدى ذلك إلى انخفاض 25% من معدلات الأمراض وتكاليف الرعاية الصحية".

هل تشعر بحجم المشكلة؟ نرى الكثير من الدول في الخارج وكأنها فُطِرَت على أن "الوعي الصحي" جزء أساسي من البناء الفكري لمواطنيها, مع مطلع القرن العشرين بدأت بعض البلاد الأوروبية بإدراج مادة للتثقيف الطبي ضمن مناهج تعليم الأطفال بالمدارس ثم إلى طلبة الجامعات، ضمن منظومة شاملة تهتم بالرعاية الصحية لأفراد المجتمع. في عالمنا العربي، بدأنا نرى مؤخراً –خلال آخر 5 سنوات- مثلاً هيئة الصحة فى "دبى" تنظم ورش عمل ضمن مبادرة تثقيف طلبة المدارس طبياً, وكذلك بدأت بعض الجامعات الحكومية في "الحجاز" كجامعة الملك سعود بإنشاء نادي للتقيف الطبي يستهدف طلبة الجامعة على اختلاف تخصصاتهم وأعضاء هيئة التدريس والعاملين.

لأن أغلبنا في المجتمع العربي افتقد هذا الجزء الخاص بالتوعية الصحية أثناء تعليمه، فالكثير من سلوكياتنا الحياتية في التعامل مع أجسادنا مليئة بالأخطاء للأسف.. أغلبنا يفتقد لوعي غذائي سليم يقينا في المستقبل من أمراض مزمنة منتشرة كالسكري والقاولون والقلب والسرطانات! الكثير منا لا يعرف ضرر شُرب الشاي بعد الطعام مباشرة أو شُرب الكولا لجانب الأكل أو التدخين بعد الاستيقاظ، ولا نهتم لمعرفة أسباب تلك الأضرار علمياً، أو كيف نتقي السِمنة قبل أن تهجم علينا في سن الشباب.. عفواً، فالسمنة تهجم الآن في سن الطفولة، أو ما الإحماءات الواجب علينا القيام بها قبل لعب الكرة أو ممارسة أي نوع من الرياضة كي نتجنب الإصابات في الأربطة والعظام التي اعتدنا السماع عنها. فضلاً عن السلوكيات الخاطئة الشائعة بيننا.. فشُرب المياة لشخص أُغمي عليه للتو لن يفيده "كما نتصور" بل سيضره أكثر.. ناهيك عن كمية الأخطاء التي ترتكبها الأمهات الجدد مع أطفالهن بسبب عدم معرفتهن بمراحل نمو الأطفال الرُضَّع واحتياجاتهم والأمراض الشائعة بينهم وما يتعلق أو بسبب موروثات ترسخت لديهم من الطب القديم لا تناسب عصرنا اليوم، ما يؤثر على الكثير من الأطفال جسدياً ونفسياً ويسبب لهم مشكلات تظهر عليهم أكثر في المستقبل. الموضوع لم يعد رفاهية معرفية أو أنها "ثقافة" فهي مقتصرة على "المثقفين" فقط! أبسط المعلومات حول الرعاية الصحية السليمة لنا ولأبنائنا من الحقوق الواجب علينا اليوم أن نوليها اهتمامنا.

كيف تساعدنا الإنترنت؟ شبكة المعلومات الدولية اليوم مليئة بالمواقع العربية -والأجنبية بالتأكيد- التي اهتمت بتقديم محتوى متخصص حول "التثقيف الطبي" أو "التوعية الصحية"، حتى أن هناك مواقع تخصصت في التثقيف بأحد فروع الطب (منها: طب الفم والأسنان، والجلدية، والطب النفسي، والإسعافات الأولية، وإضطرابات النوم، والأمراض الوراثية، والسمنة... وغيرهم)، بل أن بعض المواقع تقدم خدمات طبية أخرى كتقديم استشارات طبية عبر الويب مع أطباء متخصصين لإجابة المريض عما يشكو منه وتقديم مقترحات للعلاج وهو في منزله، والبعض الآخر يقدم دليلاً للأطباء في مختلف التخصصات المتواجدين في مختلف الدول العربية حتى يسهل عليك الوصول لأفضل طبيب في تخصص ما ويكون قريب من سكنك؛ فالمحتوى ليس بشحيح.. كل ما علينا أن نخصص وقتاً في الإسبوع لنتعلم فيه معلومة جديدة تخص صحتنا وصحة أطفالنا، كأن نقرأ -مع أبنائنا- عن مرض من الأمراض الشائعة اليوم، كالسُكري(1) مثلاً، ما هي أنماطه المختلفة، وما مسبباته وكيفية الوقاية منه. أو نقرأ عن التغذية السليمة، أو نتعلم بعض مهارات الإسعافات الأولية التي نحتاجها بشكل شبه يومي أو إسبوعي. مثل هذه المعرفة البسيطة مع الممارسة أول بأول(2) ستكون بمثابة مناعة تُجنبنا الكثير من المشاكل الصحية في المستقبل.

انتقينا لكم بعناية هذه المجموعة المتخصصة في "التوعية الصحية" من بين المواقع التي تقدم محتوى طبى أو خدمات صحية أخرى باللغة العربية:

1. ويب طب
2. الصحة.نت
3. طبيب العرب
4. صحتي
5. أفهم
6. الطبي
7. المٌفسِّر
8. الموسوعة الصحية العربية

هل نثق في محتوى مواقع التثقيف الصحي على شبكة الإنترنت؟ الإجابة: نعم و لا؛ "نعم" لأن هناك الكثير من المواقع يقوم عليها أطباء متخصصون ومؤسسات علمية وأكاديمية وبحثية ينشرون معلومات صحيحة ومثبته علمياً.. وهناك مؤسسة معنية بوضع معايير لنشر المعلومات الطبية على الإنترنت تُدعى Health on the Net "HON" إلا أن القليل من المواقع الطبية العربية حتى الآن مَن يعرف بتلك المعايير ويلتزم بها. أما "لا"، فلأن هناك أناس غير متخصصين يقومون بتجميع مواد علمية من هنا وهناك ويضعونها في مواقع تحت اسم طبي، أو أطباء يرشحون أسماء أدوية وعلاجات عبر بعض المواقع أو المنتديات بهدف الإعلان والربح المادى فقط، وبالتالي ننصحك بأن تلجأ إلى مصادر موثوق بها طبياً -كالتي رشحناها لكم-، تعرف من يُشرِف عليها، وتبتعد عن كثير من المنتديات التى يبدى كل واحد فيها رأيه دون مرجعية طبية فقد تُضلّك بمعلومات خاطئة.

أيضاً ما دمنا نتكلم عن بناء ثقافة صحية أو وعي صحي لدينا، فلا يعني كلامنا أننا سنستغنى عن زيارة الطبيب سواء للفحص أو العلاج والاستشارة، الإنترنت دوره أن يساعدنا فى معرفة أمور عامة تخص الحفاظ على صحتنا وفهم أعمق للحالة المرضية التي نمر بها أو ما نعانيه من أعراض -لاسيما إن كان طبيبك قليل الحديث حول حالتك المرضية أو لايجد الوقت الكافى للشرح والتفسير-، كما يُطلِعنا على معرفة أسباب المرض وأفضل العلاجات المطروحة له عموماً، فهو يوفر مجالاً واسعاً لمعرفة أى معلومة طبية أو حتى طرق علاج جديدة توصَّل إليها الأطباء بالخارج ولم تصل إلينا بعد. لكن محتوى التثقيف الطبي على الويب لن يُشخِّص المرض بالنيابة عن الطبيب بالتأكيد، ولن يقدم لك خطة علاج أو يصف أنسب دواء لحالتك من تلقاء نفسه. لذا فتلك المعرفة هي أحد شقي العلاج.. لايمكن أن تكتفي بالجرعة المعرفية وتُشخِّص لنفسك، ولا أن تكتفي فقط بتعليمات الطبيب دون أن تعرف أكثر عن المرض وأسبابه وعلاجه أو الوقاية منه. دُمتم سالمين.


(1) تتوقع تقارير "منظمة الصحة العالمية" ارتفاع مجموع الوفيات الناجمة عن "السكري" بأكثر من 50% في السنوات العشر القادمة، وأنه سيكون سابع أسباب الوفاة الرئيسية في العالم بحلول عام 2030.

(2) الهدف من التثقيف الصحي هو اتباع سلوكيات صحيحة وليس مجرد معرفة المعلومات، فمجرد المعرفة لا يؤدي بالضرورة لتغيير السلوك، فكم نرى من الأطباء الذين يعرفون أضرار التدخين ولكنهم مع ذلك لا يمتنعون عن التدخين!

  • نتقدم بالشكر لكل من د. أحمد جعيصة "طبيب طواريء وإسعافات بالهلال الأحمر المصري" و د. أحمد حسين "أخصائي الصحة عامة بمركز خدمات التنمية، مصر" لمساهمتهم في مراجعة محتوى الموضوع.

لٌبنى الحوّ

كاتبة ومُحررة ضمن فريق نتـنولوچي، تخصصت في هندسة الشبكات، وعملت لفترة في مجال الاتصالات، ولديها اهتمامات "مطبخية" تأمل أن تُحوِّلها إلى مشروع يوماً ما.


comments powered by Disqus